أحمد بن محمد ابن عربشاه

371

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

واعتمدت الذئاب في هذا الباب على ذئب ، فعله عجيب وأمره غريب ، سديد الختل والختر « 1 » ، شديد المكر والكسر ، طالما أفسد ثلة ، ودخل في قطيع ماشية فقطعه كله ، يعجز الأسود والنمور والفهود ، شيمته الغدر والخديعة ، ودأبه المكر وسوء الطبيعة : وقد جمع الضّدين نوما ويقظة * يخاف الرّزايا فهو يقظان نائم فاختلى بهم أبو الأشبال وشاورهم فيما دهمه من الأهوال ، وتوجه بالخطاب إلى الأسد وقال : ما رأيك في هذا النكد ؟ فقال : لا تطلب النصر في هذا الحصر إلا من مالك العصر ، ومصرف أحوال الدهر بين الفرج والقسر ، وهو الله سبحانه وتعالى وعز شأنه وجل جلاله ، فإنا مظلومون وهم ظالمون ، ونحن ما اعتدينا عليهم ولا تقدمنا بالظلم إليهم ، فسيرد الله كيدهم في نحرهم ، وسيحيق بهم عاقبة مكرهم ، وهذا أمر مقرر وأظنه هو المقدر ، وأما ما يتعلق بنا وبهم من الفرار والصلح أو حربهم ، فأذكره على التفصيل وأخبر في ذلك الرأي الجميل ، أما الفرار فلا سبيل إليه ولا معول أبدا عليه ، وأنّى ذلك وهو عيب ما وصمت به الأسود ، ولا لهم به وصف معهود ، وبنا يضرب المثل في الشجاعة والبسالة ، وتتشبه بنا الأبطال في الإقدام لا محالة ، وكيف نترك بلادنا وأهلنا ، وأولادنا من أول وهلة ونعزم على الرحلة ، ولا صادمناهم ولا أوقفناهم ، ولو فعلنا ذلك فهربنا ، وتركنا مالنا وذهبنا ؛ لفسدت أمورنا وخربت ممالكنا ودورنا ، ولا نفرط نظامنا ، وتعوّج قوامنا ، واستمرت هذه الملامة إلى يوم القيامة ، ولدام علينا هذا العار ، ولا يقر لنا بعد ذلك قرار . واعلم أيها الملك نوّر الله وجه السرير بك ، أن العمر السنى ما مر في العيش الهنى وقد قيل : ما العمر ما طال به الدّهور * العمر ما طاب به السّرور

--> ( 1 ) شديد الغدر .